قلمٌ أحمر ! « كلام بدل ضائع ..

قلمٌ أحمر !






عندما يُذكر القلم الأحمر, فإن أول ما يقفز إلى أذهاننا هو تصحيح المدرسين للاختبارات .. بدءًا بنموذج الإجابة التي يضعها أمامه للمقارنة, مرورًا بمرحلة التصحيح – وربّما التصيّد ! – .. وانتهاءً بالدرجة النهائية المرصودة , والتي غالبًا لا تكون قابلةً للمراجعة!
من ناحية أخرى؛ نحن جميعًا نقوم بهذا الدور في حياتنا اليومية : دور القلم الأحمر ..
وكما أنّ كثيرًا منا أصابته عقدة الاختبارات بسبب طريقة تصحيح كثير من المدرسين؛ فإنّ ذلك ينطبق على النظرة السلبية لدى البعض للنقد بشكل عام بسبب ممارسات كثير من الناقدين!

تبدأ المشكلة في معرفة المنهج الذي فرقنا به بين الصواب والخطأ , والمقارنة مع ما عليه الحال , فـ “ما بني على باطل فهو باطل” , أو كما قيل : ” ليس للصرصور حلم إلا أن يكون الكون كله مراحيض – أجلّكم الله – ” .. وكما يقول الدكتور عبدالكريم بكار في تكوين المفكر : ” الذي يمارس النقد يدرك أنه يعبر عن فهم مقارب لما ينبغي أن تكون عليه الأشياء و فهم مقارب لما هي عليه الآن , وعمله الأساسي هو توضيح ذلك الفارق وتشريحه وبيان خطورته ” ..
فلذلك علينا أن نلزم منهجنا كمسلمين بأن يكون صحيح المنقول وصريح المعقول , وكما أمرنا الله عزّ وجل : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول ) .. لأنّ ذلك هو المنهج الأصح والأصلح والذي يبقى كذلك في كل زمان ومكان ..

ثمّ تمر في مرحلة التقييم , والتي يتبين فيها الهدف الحقيقي وراء النقد .. بين الذي ينقد الموقف – فقط – لينقده . وبين من ينقده لينقذه .. ويتبين صدق كل من يقول : ( .. إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْت ) ؛ وَ بناءً على الهدف تتأثّر نسبة إنصاف الناقد ومقدار محاولته للخروج بأصحّ تقييمٍ للوضع .. حيث يختلف من يقوم بالتدقيق على الصغائر بحثًا عن خللٍ فيها ثمّ يقوم بتعميمها , وبين من ينظر للصورة العامة الشاملة ثم يقوم بالتدقيق أكثر إن كان لذلك حاجة ..
ولأبي حامد الغزالي رحمه الله لفتة لطيفة يقول فيها : ” اعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل، وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه. فقالوا لابد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه، فطلبوه، فلما وصلوا إليه لمسوه، فوقع يد بعض العميان على رجليه، ووقع يد بعضهم على نابه، ووقع يد بعضهم على أذنه، فقالوا قد عرفنا. فلما انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم، فقال الذي لمس الرجل: إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر، إلا أنه ألين منها. وقال الذي لمس الناب: ليس كما يقول، بل هو صلب لا لين فيه، وأملس لا خشونة فيه. وليس في غلظ الاسطوانة أصلا بل هو مثل عمود. وقال الذي لمس الأذن: لعمري هو لين، وفيه خشونة.. ولكن.. ما هو مثل عمود ولا هو مثل أسطوانة، وإنما هو مثل جلد عريض غليظ. فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه، إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل، ولكنهم بجملتهم قصروا عن الإحاطة بكُنه صورة الفيل. فاستبصر في هذا المثال واعتبر به، فإنه مثال أكثر ما اختلف الناس فيه ” ..

وتنتهي خطواتُ النقد – وخطاياه – في طريقة إخراجنا له, وأسلوبنا في تقديمه وإعلانه .. فمن يعلن نقده لك على رؤوس الخلق ذلك غالبًا ما يدل على أنه تشفٍّ منك لا حبًا فيك .. حتى أصبح الأحمر في أقلامنا لون الجريمة , ولم نجعل له فرصة ليكون لون المحبة أيضا ..
كما أننا نسعى كثيرًا للتعميم وللتكميم .. تعميم رأينا, وتكميم أيّ رأي آخر ..
حتى أصبحت ممارساتُنا تقول ما قال فرعون – عليه من الله ما يستحق – : ( لاَ أُرِيْكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى ) , بدلاً عن أن تقول ما قاله يوسف – عليه الصلاة والسلام – : ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ) .. وكأنّي بذلك الرجل الذي قال لرقبة بن مصقلة : ” ما أكثرك في كلّ طريق! ” .. فأجابه : ” إنك لتستكثر مني ما تستقل من نفسك! .. وهل رأيتني في طريق إلا وأنت فيه ؟! “


* جوابًا على : لماذا “قلم أحمر” ؟


أبلغ الشكر والمحبة للصديق راشد بن عبدالرحمن لالتقاطه الصورة أعلاه ..

19 من التعليقات لـ “قلمٌ أحمر !”

  1. نور قال:

    كلام واقعي ..
    فعلاً نحتاج لأن نرفع شعار ( وما أُبَرّيء نفسي ) في جميع حواراتنا ومجالسنا ..
    وربنا المستعان ..
    بارك الله فيك وفيما كتبت ..

  2. غريب_21 قال:

    أي الأقلام الحمراء أنت أيها الحبيب ؟؟ :10:

    مقال جميل .. وفيه إجمال رائع .. ولاحاجة للتفاصيل وتحديد حالات من يستحق التشهير ومن يستحق النصيحة والإنقاذ .. وغالباً لا يستحق التشهير إلا من أبى الإنقاذ ..

    أحب الـ قلم أحمر .. :6:

    بالمناسبة الصورة ماتطلع .. وكذلك للحين ما تبي كتبك ولا الكاميرا :15: ترى مكتبتي تسع كتبك وغرفتي تسع كاميرتك :11:

  3. إحداهن, قال:

    جمييل جدا ما كتبت

    أكثر ما شدني الصورة , وخصوصا الخلفية كأني أرى (حاشية الروض المربع) مقلوبا ^_^

    منظر الكتب (يشهي) =)

    لا تتخلى عن كتبك, فقيمة المرء بها ,

  4. hind_S قال:

    اليوم كنت اشاهد د.سلمان العوده وكان يتكلم عن النقد ويقول ان في الدول الاوربيه يدرسونهم ماده اسمها ثقافة النقد ,, اعجبني ماكتبته من توضيح لمعرفة الهدف من النقد , وكل مانحتاجه هو: عقل فهيم و فكر وقلب سليم < حتى لا يتحول الى تجريح او كثرة بلبله ..

  5. أنس عقيل قال:

    أحسنت يا علي.. أحسن الله إليك..

    بوركت.. :)

  6. فاطمة قال:

    رائع جداً ما كتبت ،،

    شكراً جزيلاً ،،

  7. Jno_On قال:

    جميلة قصة الفيل ~ :3:

    ـأشكرك على مآكتبت ..

    رآئعه :5:

  8. rashed قال:

    الله الله … حلوه الصورة .. :15:

    العفو حبيبي ماسويت شيء .. :$
    ومقال رائع .. وزي ماقلت لك ..
    لازالت إجابة التساؤل في بداية المقال تختلف عندي تماماً .. :2:

    دمت بخير .. :)

  9. 7BR E7sAs ₪₪ حبـر إحســاس قال:

    كلمات ليستـ بجديدهـ :14: .. فلطالما عرفنا ابن المعالي :3: وإبداعاتهـ … موفق أيها الغالي :5:

  10. نشوان الرازحي قال:

    وقفت كثيراً أمام النقطة التي تحدثت عن المنهج المختار ..

    يجهل الكثير هذه النقطة , ويستخدم النظريات العقلية الخاطئة !
    و قد يأتي من يتذاكى ويقف خلف الستار !

    شكراً أحمر !

  11. McShoshan قال:

    .
    .
    .
    مدونة هادئة و ( رايقة ) لم تتعب عيناي خلال القراءة – ما شاء الله – :) .

    “حتى أصبح الأحمر في أقلامنا لون الجريمة , ولم نجعل له فرصة ليكون لون المحبة أيضا ..”
    عبّرَت عما في نفسي ..
    و أعتقد أن من ينتقد لـ ينتقد هو أقصر عُمُراً و أشد نبذاً ..

    حسناً ، كيف نتعامل مع من يقول ( تنتقدون و كأنما أنتم الأطهار – و لسنا بـ ذلك – و لا تقعون إلا على الخطأ ، و تُعمَون عن الصواب ، و بكم م بكم من الذنوب ! ) .. و هم لا يعلمون عنّا إلا القليل :2:

    أرد شخصيا بـ “حُقَّ على شُرّاب الكؤوس النهيُ عنها ” ..

    أعتقد أن اسلوب النقد أيضاً يُعبّر أهو نقدٌ أم انقاذ ..

  12. روزه..~ قال:

    وهل رأيتني في طريق إلا وأنت فيه ؟! “

    حكمة …

    ابدعت في ايصال الرسالة

  13. رنـــا قال:

    السلام عليكم …

    مقال اكثر من رائع .. وعلينا التفريق بين النقد والانقاد .. فالاول له وجهان .. ينقد او يغرق ..

  14. توبيكات قال:

    لاهنت على الطرح ~ :11:

  15. ناصر السياري قال:

    مشكور ابو ناصر :14:

  16. وهل لنا بعد كلامك هذا إلاّ أن نتفق جميعاً برسم ابتسامة رضى بالقلم الأحمر في أعلى صفحة ما كتبت؟
    بالطبع سنفعل ذلك ولن نقدر على أن غيره ، فقلمك قد أبصر قضية الاختلاف في الرأي من كل نواحيها وما هو إبصار العين بقدر ما هو بصيرة العقل الواعي المدرك .
    ودام قلمك ودمت ،، عنواناً للرأي ، والرأي الآخر :)

  17. فتاة التوحيد قال:

    ماشاء الله ، لك من اسمك نصيب اخي الفاضل.
    فقلم احمر تذكرني بجواب احمد مطر عندما قال له طبيبه؛ ليس سوى قلم
    فقال: لا ياسيدي هذا يد وفم ، رصاصة ودم!
    وتهمة سافرة تمشي بلا قدم

    وسواء كان قلمك احمر او رصاص المهم ان يؤدي رسالته على الوجه الذي يرضي ربه
    دعائي لك بالتوفيق

إكتب تعليقك

:9: :8: :7: :6: :5: :4: :3: :2: :1: :15: :14: :13: :12: :11: :10: