غرناطة , مريمة , الرحيل ! « كلام بدل ضائع ..

غرناطة , مريمة , الرحيل !

في مدخل الحمراء كان لقاؤنا .. ما أطـيب اللقـيا بلا ميعاد

عينان سوداوان في حجريهما .. تتوالـد الأبعاد مـن أبعـاد

هل أنت إسبانية ؟ ساءلـتها .. قالت: وفي غـرناطة ميلادي

غرناطة؟ وصحت قرون سبعة .. في تينـك العينين.. بعد رقادِ ! *


تقول رضوى عاشور – صاحبة ثلاثية غرناطة- في كتابها صيادو الذاكرة :

( يقول الشاعر الفرنسي – أراغون – : “إنه التاريخ، فالأمر دائما يتعلق بالتاريخ؛ وغرناطة ما الذي تعنيه لشاتوبريان؟ ما الذي تعنيه لي؟”

يطرح أراغون السؤال فيجيب: “لكل غرناطته” )

فما هيَ غرناطتك يا رضوى؟!.. تجيب فتقول:

(لم تشغلني الأندلس التي بدت نائية وغائمة. وحين كتبت عنها لم تكن الكتابة اختيارا مسبقا ولا تحقيقا لحلم أو لولع بالموضوع ولا تحايلا أو تقنعا ولكن حدث ذات مساء أن أتتني صورة المرأة العارية التي بدأت بها بعد ذلك السطور الأولى من الرواية.. كان ذلك وأنا أتابع على شاشة التلفزيون قصف الطائرات لبغداد. الأرجح أن المشهد فتح بابا للذاكرة فالتقت بالمشهد مشاهد مثيلة: قصف الطائرات الإسرائيلية لسيناء عام 1956 و1967، قصف لبنان عام 1978 و1982، والقصف المتصل للمخيمات الفلسطينية ومدن وقرى الجنوب اللبناني. في ذلك المساء، وأنا أتابع أخبار قصف العراق، رأيت المرأة العارية تقترب وكأنني أبو جعفر الورّاق في الرواية يشاهد في عريها موته. استبد بي الخوف وأنا أسأل : هل هو الموت الوشيك؟ وإن كان فأي علاقة أديرها الآن مع موتي؟ ومع السؤال داهمتني غرناطة فبدأت أقرأ..

قرأت لأجل القراءة وليس الكتابة، كنت أبحث عن شيء لا أعرف بالتحديد ماهيته. كأني راغبة في الفهم أو كأنني أتشاغل عن همي بحكاية هم قديم يجاوب ما في القلب وإن خفف عنه بإلهائه قليلا عن ذلك الذي ما عاد يطيقه..

قرأت كتبا في التاريخ فإذا بمساحات غائبة مغلقة تنفتح أمامي من حياة الموريسكيين: عرب مهزومون صاروا أقلية عرقية وثقافية بعد أن دُفع بهم إلى قاع السلم الاقتصادي والاجتماعي فعاشوا مغتربين في أرضهم يواجهون زمانهم برفع السلاح حينا وبالتقّية حينا ، بالغضب حينا وبالمروغة والممالأة حينا. كان أجدادهم قد استبقوا النهاية فأعلنوها نقشاً على الجدران : “لا غالب إلا الله” ولكنهم، رغم ذلك، ظلوا يغالبون زمانهم ويقاومون! )


إنّها ثلاثية غرناطة, ولأنّه مكانٌ لا يشبهه في الخارطة مكان.. كانت الرواية كذلك ..

فهي ليست كثلاثية نجيب في القاهرة, ولا كتركي في أزقة أطيافه المهجورة .. إنها غرناطة , وكفى!


الرواية طُبعت بداية تحت اسم ( غرناطة ) عام 1994م , وفازت بجائزة معرض القاهرة لأفضل رواية لذلك العام.. وفي العام التالي طُبع الجزءان الثاني والثالث منها : مريمة وَ الرحيل – حصلتا مع غرناطة على الجائزة الأولى لكتاب المرأة العربية في نفس العام – ..

وجُمعت الأجزاء الثلاثة بعنوان( ثلاثية غرناطة ) في 500 صفحة من الحجم المتوسط , وذلك عام 1998م من المؤسسة العربية للنشر , وفي 2001م نشرت دار الشروق الطبعة الثالثة, حتى بلغت سبع طبعات في العام المنصرم ..


الرواية التي أهدتها رضوى إلى ابنها , الشاعر الرائع : تميم البرغوثي , والتي تُرجمت للإسبانية والإنجليزية – على حد علمي – .. لم تأتِ على عادة النصوص لتحكي قصة السقوط, وضياع الفردوس المفقود.. بل كانت بدايتها النهاية.. والإطار العام الذي وضعته الكاتبة للثلاثية هي أنها تاريخ موثق للإحداث المفصلية الواقعة بين عام 1491 و1609: كتوقيع معاهدة تسليم مملكة غرناطة، تسليم الحمراء، حرق الكتب، ثورة البيازين الأولى والثانية، التشتيت الجماعي لأهالي غرناطة ثم الترحيل النهائي لعرب الأندلس .. وَ غرناطة – كما تقول رضوى – ” ليست حكاية موت واندثار، غرناطة حياة، بستان من المعاني المكنونة في باطن الأرض نذهب إليه عبر الحكاية. والمدهش أن الحكايات التي تنتهي، لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تروى ” .. وستخلد الرواية!


والرواية لم تأتِ سردًا للأحداث اليومية, بل سردًا لحياة الأشخاص ضمن هذه الأحداث..

إنها رواية عن بيتٍ عادي, يعيشه بشرٌ عاديون, على حدّ وصفها .. إنهم بشر لم يتخذوا قرارات بحرب أو سلام وإن وقعت عليهم مقصلة زمانهم في الحرب والسلام ..

ثمّ إنها روايةٌ تستحقّ !

هذه شهادتي, ويؤكدها محمود أمين العالم عندما يقول أنها ” إضافة قيمة إلى الرواية العربية ” , وكذلك لطيفة الزيات بقولها : ” اللغة في غرناطة هي الذاكرة. و من هنا كان هذا الإحتفاء الكبير بجلال اللغة و رصانتها و إيقاعها و شاعريتها، و من هنا هذا المعجم الواسع، و متعدد المقاصد في السرد و الوصف معا ” .. وجابر عصفور يقول : ” غرناطة رواية المقموعين حيث يصبح مجرد البقاء على قيد الحياة بطولة في عالم عدواني يقمع تاريخاً كاملا ” ..

وأزيدُ على ذلك شهودًا – أحسبهم ذوو عدل – من سطور الرواية :

* تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح, ثم يأتي ما هو أعتى وأشد فيصغر ما بدا كبيرًا وينكمش متقلصًا في زاوية من القلب والحشا ..

* في وحشة سجنك ترى أحبابك أكثر, لأن في الوقت متسعًا , ولأنهم يأتونك حدبًا عليك في محنتك , ويتركون لك أن تتملى وجوههم ما شئت وإن طال تأملك !

* تتلبد السماء بالغيوم وتظلم, ولكنها أيضًا تشرق في أحيان أخرى .. أليس كذلك؟!

* لكل شيء ثمن, وكلما كان المطلوب عزيزًا وغاليًا ارتفع ثمنه وظلّ رغم ذلك زهيدًا ..

مرادنا غالٍ يا ولدي, ولكلّ شيءٍ ثمنه .. لكلّ شيءٍ ثمنه!

* الزرع كالبشر يموت, أما الأحجار فتبقى .. وعمرها يطول!

* هل في الزمن النسيان كما يقولون ؟! .. ليس صحيحًا ؛ الزمن يجلو الذاكرة كأنه الماء تغمر الذهب فيه , يومًا أو ألف عامٍ فتجده في قاع النهر يلتمع .. لا يفسد الماء سوى المعدن الرخيص , يصيب سطحه ساعةً فيعلوه الصدأ ..

لا يسقط الزمن الأصيل في حياة الإنسان .. يعلو موجه , صحيح .. يدفع إلى القاع .. يغمر ولكنك إن تغوص تجد شجيرات المرجان حمراء , وحبات اللؤلؤ تتلألأ في المحار .. لا يلفظ البحر سوى الطحالب والحقير من القواقع .. وغرناطة هُناك كاملة التفاصيل , مستقرة في القاع .. غارقة !

* هل للحكاية معنى يراوغه, أم أنها عبثٌ لا سبب فيها ولا نتيجة؟.. خيط ينظم اللحظات, أم لحظات مبعثرة في مهب الريح لا يحكمها إلا الولادة في البداية والموت في الختام؟!

( وهذا حوارٌ يزرعُ البسمة, في مهد الألم.. والأجمل من ذلك؛ أنّ كاتبته أنثى! )

- حصانك جميلٌ يا روبرتو ..

- إنها فرس, واسمها الأصيلة .. أدللها أحيانًا بالعنود, وأحيانًا بعتيق .. اشتريتها ذات يوم بكل ما معي من مال, وكانت لي زوجة حمقاء فلم تفهم .. قالت : هل تدفع كل مالك في حصان؟! .. قلت لها : ولمَ لا , ألا يدفع الرجل كلّ ماله مهرًا لامرأة .. والحصان أغلى على قلب الرجل! .. أغضبها الكلام, فقلت : لتغضب!

- أين زوجتك يا روبرتو؟

- تركتها!

- ماتت ؟

- لم تمت فمثلها لا يموتون! .. أعدتها إلى أهلها ..

- هل كانت سيئة معك يا روبرتو ؟

- كانت ثقيلة الظلّ .. لماذا يجلس المرء تحت شجرة؟

- ليستريح , وتظله ويأكل ثمارها ..

- زوجتي لم تثمر, وكان ظلّها يسقط علي ثقيلاً وخانقًا .. أعدتها إلى دار أبيها , وأخذت الأصيلة وذهبت ..

( وهُنا اقتباسٌ طويل, أطلتُ في جنباته المكث .. ما أشبهها هُنا بحرف منيف! )

- التأمل لا يدوم في حومة تعذيب وروع يحيل الصور والأفكار إلى مزقٍ وشذرات, بينما البدن مجرّح , والروح كالطائر الذبيح تنتفض ..

يحاصرك المحققون التسربلون بالأسود, تنفذ نظراتهم إلى روح روحك , ويطلقون عليك أسئلتهم وآلات التعذيب , يشدون وثاقك إلى ذلك السلم الخشبيّ ويضخون الماء في جوفك, الماء الزلال الذي يروي, الذي تطلبه نفسك حلالاً , يدخلك نارًا موقدة! .. تمتلئ, تنتفخ, تختنق, تستعصي الصرخة ولكنها تلح فتطلع حشرجة كأنما هي الروح تخرج في عناء .. يحدّقون بك, الثياب مصمتة, والوجوه مصمتة , وقلوبهم مدرعة بالثياب السوداء ..

الأسياخ المحماة تحرق باطن قدمك, والحجارة الساخنة تلهب ظهرك وبطنك وعجزك, والآلة الخشبية تختزل جهنم في دولابها الضاغط الذي يسحق عظامك , فتخور كثورٍ ذبيح .. والقلب في بيت القلب يعتصر كأنها تقبضة يد الموت , ويموت .. يحدقون فيك ولا يرف لهم جفن, يلقون بك في قبو وحدك لا تقدر حتى على البكاء, وعندما تقدر تذرف الدمع الغزير, ليس لأن البدن يوجع, ولكنك تبكي على تلك المزق الآدمية التي تعرف أنها أنت .. وحدك في سجنك المظلم تحاصرك الظلمة ولا ضوء سوى ذؤابة شمعةٍ ذابلةٍ يرتعش معها على الجدار طيف المحقق الذي يلازمك وإن غاب , خيالٌ يعظم خطه الصاعد مائلاً على الجدار , يحدد ظل وطواط هائل ينشر سواده الملتصق بحجر الجدار .. وحدك في سجنك لا يشاركك فيه سوى جرذانٍ تألفها لأنها حياةٌ تذكرك بالحياة , وبعد شهور ينقلونك إلى حيث يتبدد شيء من وحشة روحك .. يصير لك رفاق يسكنون معك في قبو أيامك ولياليك .. تأتلفُ القلوب المحزونة, طاقة ضوءٍ في عتمة الجدار!

.. يا رضوى,

حددتِ شفرة القلم, وقتلتِ فأحسنتِ القتلة!


[ موقع الكاتبة | الرواية بصيغة pdf ]

* الأبيات هي مطلع لرائعة نزار قباني ؛

8 من التعليقات لـ “غرناطة , مريمة , الرحيل !”

  1. و الهوى أندلسُ .. قال:

    عرضٌ مذهل ..
    يبدو الأمر آسرًا وأنتَ تقرؤ تاريخًا تُعاد صياغته بلغة الذكريات ..

    هل نجد الكتاب مطبوعًا في مكتباتنا ، أستاذ قلم أحمر ؟

    شكرًا لأنّك أعدتَ إلينا بعض الروح ..

  2. .. ما أجمل كل شيء ينتسب لها ، بها !

    .. وما أجملك ^^
    جمّلني الله وإياك بتقواه ورضاه !

  3. صاحب العثرات قال:

    الفاضل : قلم أحمر
    مصافحة أولى لمدونتك ، رغم أنها سبقتها زيارات على إستحياء
    غرناطة الكل دفع ثمن رحيلها وكان غاليا بلا شك ، يبدو أن سيناريو غرناطة يتكرر في عصرنا هذا وللأسف ، ولكن حسبنا أن ستسفر الشمس ولو بعد حين ،
    الحديث عن غرناطة وأسوارها يدمي القلب ويغص في الحلق ،
    شكرا لأنك تركت لنا مجالا لنعيش لحظة واحدة على مشارف قصر الحمراء و شوارع غرناطة ،
    بديعة نزار قباني في غرناطة تستحق القراءة والوقوف طويلا
    الكتاب لم يتوفر لدي لكن عما قريب سأقتني نسخة منه
    أسعدك الله

  4. قلم أحمر قال:

    والهوى أندلس .. :
    اقتنيتُها من معرض الشارقة, ولكن أحد الإخوة ابتاعها من العبيكان قبل أيام ..
    حييتم؛

  5. قلم أحمر قال:

    رفيق الهمّ, عبدالله :
    وما أجمل مرورك ..

    أسأل الله أن يجمعنا هناك في جنّة الأرض, وفي جنّة السماء .. ومن أمّن؛

  6. قلم أحمر قال:

    صاحب العثرات :
    وشكرًا لك على هذا المرور العاطر المُبهج كـ غرناطة ..

    وإن كان نزار عُرف بغزله, فإنه أجاد تحوير ذلك إلى الأندلس في قصيدة المطلع .. وفي تفعيلة رائعة يقول في مطلعها :
    ” كتبتِ لي يا غالية ..
    كتبتِ تسألين عن إسبانية ..
    عن طارقٍ , يفتح باسم الله دُنيا ثانية ..
    عن عقبة بن نافع , يزرع شتل نخلة .. في قلب كل رابية ..
    سالت عن أمية, سألت عن أميرها معاوية ” ..
    .. إلى آخر الجمال!

    لا عثرت بك قدم, ولا قلم ..

  7. محمد آل قُرعاني قال:

    كتبتُ رداً طويلاً .. وفقدتهُ !!
    لايهمّ .. سأختصرُ الحديثَ وأقول : أمتعتني بهكذا طرح وعرض للكتابِ .. وحرّكت معها أشجاني تجاه أندلسنا المفقـود .
    باركَ المولى فيكَ – أخي – ونفع بكَ الإسلامَ والمسلمين .

    والرّاويـةُ .. إلى مفضلةِ الكتب !
    أرجوا ألا يكونَ لمروري في هذا المتصفّح الجميل مناسبة ، كما توهّمتهُ فيما سبق : P
    شكراً يا أحمريكا !

  8. شهيـدة قال:

    كنتُ قد أجلت قرائتها لحين ، أظنني سأوقف الانتظار واشرع بها

    عرض راقي زاد تفاصيلها جمالا

إكتب تعليقك

:9: :8: :7: :6: :5: :4: :3: :2: :1: :15: :14: :13: :12: :11: :10: